البشر مبرمجون على التشتت!
تقول الأبحاث، أن الشخص العادي يتشتت انتباهه كل 40 ثانية عندما يعمل أمام الكمبيوتر، ولكي يسترجع تركيزه في كل مرة، فهو يحتاج إلى 29 دقيقة!
فدعني أسألك،
هل جلست يومًا لتضع خطة واضحة ليومك، ثم وجدت نفسك بعد ساعات تائهًا في بحر من الإشعارات، وفيديوهات التيكتوك، والأفكار الداخلية غير المتوقفة؟
يجذبك العالم الذي تعيش فيه في كل اتجاه، وقبل أن تدرك ذلك، تسرق انتباهك أشياء بسيطة – الهواتف التي تصدر أصواتًا، والمهام التي لا نهاية لها، وحتى خيالاتك.

الأمر كما لو أن شيئًا غير مرئي يسيطر على عقلك، ويقودك بعيدًا عن ما يهم. لا يتعلق التشتت بفقدان الوقت فحسب؛ بل يتعلق بفقدان الاتصال بأهدافك، وسلامتك النفسية، والمشاعرية حتى!
ولكن ماذا لو كانت هناك طريقة لاستعادة هذا التركيز؟ لإيجاد الوضوح وسط الفوضى وإسكات الضوضاء التي تحيط بك؟
دعونا نستكشف الأسباب وراء تشتتنا ونكتشف كيفية استعادة السيطرة على حياتنا بطريقة عملية.
هل للتشتت معنى واضح؟
أول خطوة لإيجاد حل للمشكل، هي بتعريف هذا المشكل!
فما هو التشتت؟
التشتت هو فعل يصرف انتباهك عن الاتجاه الذي من المفترض أن يكون فيه (الانتباه)، فيقودك إلى مجموعة من السلوكيات غير النافعة، التي تنتقص ببطء من إنتاجيتك وراحة بالك.
هل تعلم أن فقدان الموظفين لإنتاجيتهم يكلف الشركات ما يقدر بنحو 44 مليار دولار سنويًا؟
ولهذا، التشتت ليس مجرد قضية سطحية؛ بل هو متجذر بشكل أعمق في عاداتك وعواطفك وبيئتك، حيث ستجد نفسك مثلا، بشكل لا واعي، تهرب من مهمة صعبة، وتتجه لهاتفك!
إذن، كيف نبدأ في محاربة شيء متأصل بعمق في حياتنا العصرية؟
الخطوة الأولى هي فهم أنواع التشتت وأسباب حدوثها.

أنواع التشتت: الداخلي والخارجي
1ـ التشتت الخارجي: عبارة عن مقاطعات مستمرة من العالم الخارجي – هواتف، ورسائل البريد الإلكتروني، والضوضاء في الخلفية، والأشخاص من حولنا، أو حتى مساحة مزدحمة.
التدفق المستمر للإشعارات والتحديثات على هاتفك، يبقيك منشغلا باستمرار، مما يصرف انتباهك عن المهام الأكثر أهمية.
2ـ التشتت الداخلي: ينبع من أفكارك ومشاعرك، لهذا، فهو أكثر قوة من التشتت الخارجي!
يمكن أن يتسبب شعورك بالتوتر، أو القلق أو الملل… في انحراف تركيزك عما تقوم به الآن، وقد يكون تفكيرك في مشكلة شخصية خلال أوقات العمل، أو التفكير في هدف مؤجل، سببا في فقدان تركيزك!
لهذا قيل، من استطاع التحكم في أفكاره، فقد ضمن النجاح!
فما الذي يجعلك مشتتا؟
1ـ التشتت، بالنسبة للكثيرين، هو طريقة للهروب من المشاعر السلبية؛ الضغط الهائل الناتج عن توقعات وانتظارات الآخرين منهم، أو الخوف من الفشل، أو حتى القلق الذي يأتي مع مواجهة المهام المعقدة والصعبة.
(أقترح عليك قراءة كتاب كتاب إبدأ بالأهم ولو كان صعباً: التهم الضفدع، إن كنت تعاني من تأجيل مهامك الصعبة)
أتذكر الإحصائية أعلاه؟! سبب فقدان الموظفين لإنتاجيتهم وتركيزهم أثناء العمل، هو شعورهم بالاكتئاب! وهذا ما يفسر تركيز الشركات العالمية على الصحة النفسية للموظف، حفاظا على أموالهم (44 مليااار دولار سنويا)
2ـ في أحيان أخرى، يكون السبب في التشتت، هو الافتقار إلى نية واضحة أو هدف واحد تركز عليه. فتجد نفسك تائها، وغير متأكد مما يجب التركيز عليه، وتسمح لنفسك بالانجراف في كل اتجاه.

“Lack of direction, not lack of time, is the problem. We all have twenty-four-hour days.”—Zig Ziglar.
وقد أشرت في برنامج شفرة الاستمرارية، إلى أهمية تحديد القيم وأن تخلق لها نظاما يوميا بدل الأهداف، بحيث تكون طاقتك موجهة لقيمة رئيسية واحدة، بدل قائمة من الأهداف!
3ـ ثم يأتي الإرهاق – التعب العقلي الذي يتراكم، ويجعلك متعبا للغاية بحيث لا تستطيع التركيز، وتبحث عن أي راحة مؤقتة من ثقل كل هذا.
التشتت هو، صرخة عقلك طلبًا للمساعدة. صرخة تشير إلى أن شيئًا ما بداخلك يحتاج إلى الاهتمام والرعاية والتوازن.
فلا تبخل على نفسك، واستثمر في جلسة خاصة، نعرف فيها مع بعض، ما الذي يثقل عقلك؟
5 طرق لحماية نفسك من التشتت
يوم أمس، سألت شخصا يشتغل في التجارة الإلكترونية، كيف يستطيع العمل من المنزل دون تشتت؟ وهو الآن، في عامه السادس في التجارة، فأجابني، أن وقت العمل هو وقت للعمل، وقد عوَّد أفراد عائلته على عدم إزعاجه أيا كان السبب، إلى أن يخرج هو من مكتبه!
فكرت قليلا، وقلت أن هذا السلوك يحتاج إرادة قوية! لاسيما إن كنت تشتغل من المنزل.
مع ذلك، إن لم تستطع الحصول على هذه المساحة من التركيز ببساطة، فإليك ما ستفعله:
1- تخلص من الفوضى في مساحتك (مكتبك، غرفة نومك، منزلك…)
البيئة المليئة بالفوضى= عقل غير منظم

- نظِّم مساحة عملك
- تخلص من العناصر غير الضرورية
- احتفظ بما هو ضروري لمهامك
- المساحة النظيفة والمنظمة تقلِّل عوامل التشتت البصرية وتعزز الوضوح بعقلك.
2- أوقف تشغيل الإشعارات الهاتفية
خطوة صعبة، إلا أنها ضرورية في عالمنا اليوم!
تعتبر الإشعارات، والرسائل الصوتية المستمرة أكبر عوامل التشتت.
- اضبط أجهزتك على وضع “عدم الإزعاج” أثناء ساعات العمل.
- عطِّل الإشعارات من وسائل التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني…
أقترح عليك الاطلاع على خاصية Screen Time في هاتفك، ولاحظ أي التطبيقات تأخذ من وقتك، ثم قم بإيقاف إشعاراتها.
في البداية، ستجد عقلك دائما يتساءل، هل وصلتني رسالة؟ دعني أفتح التطبيق… بعد فترة ستعود عقلك على العادة الجديدة، لن أفتح التطبيق إلا في الساعة الفلانية…
هكذا، لن تشعر بالحرمان وتعرف أن لديك وقتًا لاحقًا لجميع التطبيقات!
3- استخدم أدوات التركيز
إن كنت تقع في مصيدة التشتت أوقات العمل أو الدراسة، فعليك باستخدام تطبيقات التركيز، أو حظر بعض المواقع التي تشغل وقتك…
أقترح عليك:
- تقنية Pomodoro، ولها تطبيقات خاصة بالهاتف والحاسوب، تساعدك على تخصيص 25 دقيقة مثلا للعمل، ثم 5 دقائق للراحة (لا أنصحك بفتح هاتفك أوقات الراحة، استغلها لشرب الماء، فهل تعرف أن عدم شربك لماء كافِِ يقلل من تركيزك وقدرتك على اتخاذ القرارات؟)
- تطبيق Time Planner
- تطبيق Forest: Focus Productivity، وهو يستخدم فكرة “الغابة الرقمية”! سمعت بها من قبل؟ أخبرني في التعليقات
4- تحكم في بيئتك
أخبر من حولك عندما تكون في حالة تركيز.

“Focus is about saying No.” —Steve Jobs
سواء كنت تعمل من المنزل أو في مكتب مشترك، فإن تحديد حدود واضحة، مثل استخدام علامة “عدم الإزعاج” أو وقت التركيز المخصص، يمكن أن يساعد الآخرين على احترام تركيزك.
- وضع الحدود ليس إلزاما في العلاقات فقط، وإنما أيضا لحماية تركيزك!
- استخدام سماعات الأذن في الأماكن الصاخبة خطوة ذكية لمحبي العمل في المقاهي.
5- افهم محفزات التشتت
هل هناك مواقف أو مشاعر معينة تشتت انتباهك؟
ربما يدفعك التوتر أو الملل إلى تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، والانتقال من فيديو إلى آخر! من خلال تحديد هذه المحفزات، يمكنك البدء في إدارتها بشكل أكثر فعالية، بدءََ بعلاج الشعور وتنظيفه.
- عندما تنظف مشاعرك، وترتب أفكارك، فإنك تخلق مساحة للإنتاجية والوضوح والإبداع!
إن كنت تتساءل من أين تبدأ؟ فإليك الحل:
- استخدم تمرين تنفس الترقوة: سيساعدك على استعادة توازنك قبل أداء أي مهمة.
- تطبيق تمرين الطرق للتركيز: عبارة عن النقر بأصابعك على جانب اليد (تسمى منطقة الكاراتيه)، ١٥ مرة قبل قيامك بمهمة تحتاج منك تركيزا عاليا.

في هذا الهدوء، ستجد القوة للتركيز على ما يجلب لك السعادة والرضا… لحظة خالية من التشتت، هي فعلا لحظة اتصال بذاتك.