أنت تتحدث إلى نفسك بمعدل يصل إلى 4000 كلمة في الدقيقة!
وهذا حسب دراسة أجرتها باحثة من جامعة ووستر الأميركية، إلا أن هذا ليس الشيء العجيب في الأمر… تخيل أن تكون تتحدث مع نفسك بالسوء؟ أنت تكون كلماتك كلها الموجهة لذاتك سلبية؟ مدمرة؟
يحتوي اليوم على 1463 دقيقة، إذا حذفنا ساعات نومك (مع أن دماغك لن ينام)، كم كلمة ستكون سمعتها عن نفسك منك أنت؟
كيف سيكون واقع، وحياة الشخص الذي يتحدث مع نفسه بالسوء؟
الصوت الداخلي السلبي هو اليوم، واحد من أهم أدوات التدمير الذاتي التي يغفل عنها الجميع، فمهما بلغت محاولاتك في التعلم والتطور، ما لم تبدأ من داخلك، من داخل عقلك وفِكرك… فقل وداعا للتغيير نحو الأفضل!
إلا، إن كنت صادقا في نيتك، فتابع معي لنغوص في أعماق أفكارك عن نفسك، ونكتشف معا كيف نُصلحها.
لماذا من المهم أن تتعرف على صوتك الداخلي؟
لأن الخارج انعكاس للداخل!
وواقعك السيء، أو مشاكلك الكثيرة، ومعيقات أهدافك… ما هي إلا نتيجة لحوارك الذاتي المدمر، صحيح أن هنالك أسبابا أخرى، لكن تأثيرها لن يكون أكبر من تأثير كلامك لنفسك.

ليلى هي سيدة في الثلاثينيات، أكملت دراستها الجامعية في نفس مدينة سكنها، وبعد التخرج، حاولت التقديم على وظائف مناسبة لدراستها، إلا أنها لم تتلقى القبول.
في البداية، كانت الأسباب التي شاركتها معي مختلفة، وكانت منطقية… الوظائف المتوفرة لا ترقى لشهادتها، والفرص موجودة أكثر في المدن البعيدة… إلا، أنها بعد تطبيقها لبعض التمارين، اكتشفت أنها كانت تشعر دائمًا أنها غير كافية، وكانت جملتها الشهيرة هي: صحيح أنا درست فـ مدينتي، بس ما في وظائف مناسبه لي!
وهذه كانت النتيجة، لأن القاعدة الشهيرة تقول، ما تُكرره يزداد ويكبر، والكلمات لها طاقتها وانعكاسها على واقعك، فالبلاء موكل بالمنطق!
ومن الجيد أن أنبهك، أن الصوت الداخلي السلبي، ولو أنه صامت إلا أن تأثيره حقيقي! فمن الناس من يقول أنهم طالما لا يتحدثون بصوت مرتفع (٢٥٪ من الأشخاص يتكلمون بصوت عالِِ)، إذن كلامهم ليس له تأثير، وهذه فكرة خاطئة.
فما الذي يدفع الناس، أمثال السيدة ليلى للحديث عن أنفسهم بطريقة سلبية؟ ومدمرة للطموحات التي يسعون لها؟!
3 مسببات لـ الصوت الداخلي السلبي
“ياخي شلون أنا غبي”، “ما أقدر أسوي شي”، “والله إني أحمق”، “ليه سويت كذا؟”، “كان المفروض أسوي كذا…”، “هي أحسن مني بكثير”…
ما الذي يدفعك لتقول مثل هذه الجمل لنفسك؟
1ـ تجارب الماضي: أحداث الطفولة، مثل انتقاد الآباء لأبنائهم، أو حوادث التنمر في المدرسة، كلها أحداث تزرع بذرة الشك في النفس والتي تنمو مع مرور الوقت لتصبح صوتا داخليا مكررا.
2ـ التأثيرات المجتمعية: يلعب المجتمع دورا مهما في تكوين هذا الصوت السلبي مع النفس!
وسائل التواصل الاجتماعي والمعايير الثقافية وضغوط الأصدقاء، تفرض علينا معايير غير واقعية، وتجعل الشخص يحس بعدم الكفاءة أو إنه أقل من الآخرين.

المشاركة المستمرة للحياة “المثالية” وقصص النجاح على منصات التواصل الاجتماعي، تزيد من مشاعر عدم تلبية التوقعات المجتمعية.
3ـ العوامل النفسية: الحديث السلبي مرتبط بحالات نفسية مثل القلق والاكتئاب، وهذه الحالات تشوه أنماط التفكير لدى الشخص، وتجعل أفكاره السلبية منطقية وواقعية.
والأبحاث تقول، أن الحديث السلبي مع النفس يسبب الاكتئاب، وبالتالي هذه الحلقة لن تخرج منها ما لم تبدأ بعلاج هذا الأمر.
فكيف تفعل هذا؟
9 خطوات عملية لـ إسكات الصوت الداخلي السلبي
قبل التطرق لخطوات إسكات الصوت الداخلي السلبي، أريدك أن تستمع لحلقة بودكاست نَفَس عن هذا الموضوع، لتكتشف في أي مستوى من مستويات الصوت الداخلي أنت فيه حاليا! ولعلمك هي 5 مستويات!
1ـ حدِّد محفزات الحديث السلبي مع النفس:
- احتفظ بمذكرة لكي تلاحظ متى ولماذا انخرطت في الحديث السلبي مع نفسك؟
- لاحظ المواقف أو الأشخاص أو الأفكار اللي تحفز هذا السلوك.
ربما، حين تجلسين مع صديقة معينة؟ أو بعد متابعتك لحساب على انستغرام، ومشاهدتك لحياة فاشينيستا على سناب شات فيأتيك شعور العار، لماذا حياتي سيئة؟!
2ـ تحدَّى الأفكار السلبية:
- شكك في صحة أفكارك السلبية. اسأل نفسك هل لديك دليل على أن هذه الفكرة السلبية عن نفسك صحيحة؟
- ابحث عن أدلة تتعارض مع هذه الأفكار السلبية.
مثلا، لو كنت تبحث عن وظيفة وأنت مؤهلاتك ضعيفة فرضا، اسأل نفسك، هل يوجد شخص أعرفه توظف بنفس مؤهلاتي؟ أو على الأقل شخص في السوشل ميديا تحدث عن وظيفته؟ ابحث على الانترنت، العالم مليء بقصص نجاح لم تعتمد لا على الدراسة، ولا على الشهادات…

3ـ أعد صياغة الأفكار السلبية:
- استبدل الأفكار السلبية بأفكار أكثر إيجابية أو واقعية.
- بدلاً من قول “أنا دائمًا أخطئ”، حاول أن تقول “أرتكب أخطاء أحيانًا، لكني أستطيع التعلم منها”.
في دراسة قاموا بها على 4 مجموعات من الرياضيين، كل مجموعة كانت تستخدم نوع من أنواع الحديث الداخلي (الإرشادي، والتحفيزي، والإيجابي، والسلبي) ووجدت أن الرياضيين الذين استخدموا الحديث الذاتي الإيجابي كانوا الأكثر نجاحا!
تستطيع أن تعكس هذه الدراسة لتفهم أنه كلما كان حديثك سلبيا مع نفسك، كلما كنت أقرب للفشل!
4ـ مارس التعاطف مع الذات:
إن لم تكن لطيفا مع نفسك، من سيلطف بك؟؟؟
- عامل نفسك باللطف والتفهم الذي تقدمه لصديقك المقرب.
- اعترف بأن الجميع يرتكبون الأخطاء وأن هذه الأخطاء هي فرص للنمو.
5ـ استخدم التأكيدات الإيجابية:
- أنشئ قائمة بالتوكيدات الإيجابية التي يمكنك أن ترددها في ذهنك.
- كرر هذه التوكيدات يوميًا، خاصةً حين تلاحظ أنك تتكلم بشكل سلبي مع نفسك.
خلال برنامج شفرة الاستمرارية لموسم 2024، حرصت على تقديم ملف مجاني للمشتركين يحتوي على مجموعة من التوكيدات المناسبة لأهدافهم، مثل الصحة، والنجاح، والثراء، والعلاقات الجيدة… بحيث يكون دافعا لهم للاستمرار نحو السعي.

6ـ مارس اليقظة والتأمل:
- مارس اليقظة لكي تكون حاضرا في اللحظة وتتجنب الوقوع في أنماط التفكير السلبية.
- التأمل يساعدك لتصبح أكثر وعيًا بأفكارك وتتعلم أن تتخلص من السلبية.
7ـ أحط نفسك بتأثيرات إيجابية:
- اقضِ وقتك مع الأشخاص الذين يرفعون من معنوياتك ويدعمونك.
- قلل من التعرض للتأثيرات السلبية، سواء كانت أشخاص أو وسائل التواصل الاجتماعي أو مصادر أخرى.
8ـ حدد أهداف وتوقعات واقعية:
- قسم الأهداف الكبيرة إلى خطوات أصغر يمكن أن تسعى لها بهدوء، ودون قلق وتوتر.
- احتفل بإنجازاتك، مهما كانت صغيرة.
9ـ اعتني بصحتك البدنية:
- التمرين المنتظم، النظام الغذائي الصحي، والنوم الكافي… كلها سلوكيات مادية تحسن من صحتك العامة وتقلل من الحديث السلبي عن النفس تلقائيا.
كلما كنت حاضرا بوعيك، ومنتبها لما تقوله لنفسك، كلما استطعت أن تتحكم في واقعك، لأن الغاية الأساسية من طريق الوعي هذا، هو أن نعيش الواقع الذي نريده بأيسر الطرق، واليسر يبدأ من الداخل… بدل أن تقضي سنوات في محاولة لتغيير الخارج، ابدأ بالعمل على الداخل.
إبدأ بملاحظة أفكارك عن نفسك، وعن عائلتك، وعن الحياة عامة، لا تسمح للإيغو، أو لوسوسة الشيطان في أن تسيطر على دماغك وتعكس لك واقعا لن تحبه!
فيم كنت تفكر قبل لحظات؟ شاركني الإجابة في التعليقات لنبدأ العمل معا على أصواتنا الداخلية.